الكتابة وأنا

لا أذكر تحديدا الوقت الذي شعرت فيه أني أحب الكتابة، لكن أحد اللحظات التي تبرق في ذهني حين أفكر في الموضوع هي لحظة استدعاء مدرسة اللغة العربية لي في الصف الأول الثانوي إلى حجرة المدرسات. وهذا موقف غريب لفتاة هادئة في المدرسة، لا تثير الشغب ولا تقصد التقرب من أي معلمة، ذهبت على أي حال لتفاجئني حينها مدرستي تلك بثناء وتشجيع تختمه بإخبارها لي أنها أعطتني الدرجة النهائية في موضوع التعبير. كان تلك لحظة انتصار لذيذة ليس لأن لأنها أثنت علي، لكنه كان انتصار في تنافسي الدائم أنا ونورة صديقتي التي كانت تنظم الشعر وتلقيه كأحسن ما يكون وأعطتها المعلمة حينها درجة أقل من درجتي.

أن تنتصر على أحد تعرف أنك تنافسه فيما لا يمكننك مجاراته فيه، فجزالة إلقاء نورة للشعر الجاهلي، جعلني أحرص على التقاط مخارج حروفها العربية وتقليدها، وأدين لها بحسن قراءتي للقرآن، فتعلم الإلقاء العربي كان مفتاحا لتعلم سهل لقراءة جيدة للقرآن. وهذا عكس ما يشاع في مصر ويفتخر به، نعم القراء المصريين من الجيل الماضي كانوا عباقرة في الضبط والتغني، لكن مخارج الحروف لا تؤخذ إلا من أهلها، فالمصريون لا يعطون أي حرف حقه أبدا، كل حروفهم مرققة، وراؤهم دائمة مائلة، تغلب نكتتهم ألسنتهم فتميل مع ميل هواها.

المشهد الثاني في علاقتي بالكتابة، كان تشجيع أحد أصدقاء الجامعة الطيبين النادرين لي على تخصيص دفتر للكتابة، كتبت في دفتري حينها عن أشياء عجيبة لا أذكر منها إلا موضوعا كتبته عن مفهوم الحب المضطرب لدى الناس متقمصة دور فيلسوفة لا تعرف عما تكتب شيئا. وعملي الأول بعد الجامعة كان أكثر ما وطن قلبي على أني أحب الكتابة وأجيدها وإن لم أكن أتقنها.

ثم استمرت بعدها علاقتي بالكتابة تعلو أمواجها قليلا وتنحسر كثيرا، ولم تسلم الكتابة من عواصف أسئلتي الوجودية ومحاولة البحث عن معنى لها، حتى وصلت عند هدوء تلك العواصف أن الكتابة أداة سأستخدمها حين أحتاجها. كتبت مقالات بحثية وصحفية هنا وهناك، حاولت التدوين لكن كرهت الإفصاح، وطالت فترات توقفي حتى عن كتابة منشورات الفيسبوك، وصرت لا أكتب حتى أمحو. وخلال هذه الرحلة التي استمرت سنوات ظلت الكتابة تطفو على سطح نفسي حتى وإن أغرفتها أثقال الحياة، حتى وجدتني أقول لصديقتي منذ فترة قريبة أنا أحب الكتابة وهي من الأنشطة القليلة التي أشعر حين ممارستها أنني أنا رنا. لذلك قررت تلبية طلب أختي حين كانت تقول: “قولي إنت كدا يا رنا، إنت بتعرفي تقولي كويس”، وأن أقول.

مصدر الصورة: unsplash

أشياء فاتتني أنا أيضاً..

كتب فادي تدوينة بعنوان أشياء فاتتني..قائمة رغبات ولدتْ ميتة، وسأل في نهايتها عن الأحلام المؤجلة لنا، فأحببت أن أجيب عن سؤاله وأكتب عن أمنياتي التي ملكت نفسي في وقت ما من حياتي وأصبح معظمها في عداد المستحيل.

الأمنية الأولى: أن أصبح لاعبة كرة قدم محترفة

وهي أمنية قد تبدو غريبة لكل من يعرفني، لكن نعم قضيت سنوات عديدة لا أفعل شيئا إلا لعب الكرة ومتابعتها ومشاهدة البرامج السياسية، كانت تلك جل اهتماماتي لأربع أو خمس سنوات كاملة. بدأت علاقتي بالكرة منذ بطولة أمم إفريقيا عام 1998 والتي فازت بها مصر، ثم بطولة كأس العالم في نفس العام والتي فازت بها فرنسا زين الدين زيدان. ثم تطورت علاقتي بالكرة في قلب الصحراء، فلعبت مع أطفال الجيران ومزقت ملابسي ودمرت أحذيتي حتى يأست أمي فطلبت مني أن ألعب بدون حذاء، ففعلت! وجرحت قدماي فعدت لارتداء الأحذية مرة أخرى. وفي إحدى المرات لعبت مع أبي واثنين من أصدقاءه وابن لوحد منهما، فأخبرني أحدهما مازحا أن مدرب المنتخب المصري إن رآني فلن يفرط في لعبي معهم. تمنيت لو كانت هناك أندية وقتها في الإمارات بها فريق كرة نسائية، لكن لم يكن وبقيت علاقتي بالكرة علاقة متابعة قلت مع الوقت وتشجيع لفريقي المفضل.

الأمنية الثانية: الالتحاق بكلية الإعلام

كانت تلك رغبتي منذ المرحلة الإعدادية، لكن بعد انتهائي من المرحلة الثانوية بدأت حرب ضروس في منزلنا، قادتها أمي وتكون جيش العدو فيها من كل من نعرف ومن لا نعرف من البشر، كانت الكلمة الأبرز على ألسنتهم حرااااااام تضيعي مجموعك، كأني إن درست شيئا أحبه سألقي بنفسي من برج القاهرة. ثم لعبت أمي على وتر حساس وهو ميلي للصمت، قالت وكانت محقة أن هذه المهنة تحتاج أشخاص اجتماعيين يحسنون تكوين العلاقات، وكان هذا قبل الثورة والانفتاح الذي تلاها. أنظر الآن وأقول لا بأس فيما حدث، لكنني وقتها مررت بأزمة كبيرة، شعرت أنني خسرت حلمي الذي بنيته طيلة أعوام عديدة، وما كان كان!

الأمنية الثالثة: الرسوب في عامي الجامعي الأول

هذه أمنية مترتبة على الحلم الضائع السابق، فقد حاولت جهدي أن أرسب في العام الجامعي الأول، ومازلت لا أفهم حقيقة كيف لم يحدث هذا؟. أذكر في امتحان الكيمياء التحليلية وكان امتحان نصف العام فيها بعد عيد الفطر، أذكر مشهد ركوبي المترو للجامعة رفقة صديقة الفشل حينها رضوى والتي كانت تتمنى دخول كلية فنون جميلة، نجلس ومعنا كتب التحليلية تسألني ذاكرتي فأجيب قرأت الكتاب الصغير، وكان المطلوب مذاكرته كتابين إحداهما كبير والآخر أقل من ثلث الأول. أخذنا المترو للامتحان زالذي كان سهلا على ما يبدو ورسبت فيه لكن بفارق بسيط من الدرجات عوضوه لي بدرجات الرأفة، وليتهم رأفوا بي وجعلوني أرسب وأجد المبرر للانتقال لكلية أخرى حينها.

الأمنية الرابعة: العمل كمراسلة رياضية

تجمع هذه المهنة كل ما أحببته، السفر والانتقال، والرياضة، والإعلام. لكن كما نعرف من الأمنيات السابقة، أنا هنا خلف الشاشة أخط كلماتي عن أمنياتي السابقة من خلال أزرار سوداء مربعة توهمني بالإمكانية وأنا أعرف الاستحالة.

أحب الصحراء

بيني وبين الصحراء علاقة لا أدري بالضبط سرها.. شعور السعة التي تقابلك به، مع القسوة لمن جهلها.. يقربها لنفسي.

حينما عشنا في الإمارات لعدة سنوات، قضينا بعضها في وسط مدينة العين مدينة جميلة خضراء مريحة، بعدها انتقلنا لضواحي المدينة، على أطرافها البعيدة حيث البيوت الملحقة بمكان عمل أبي في حضن الصحراء حرفيا.. خلفنا كانت كثبان الرمل الممتدة، كنا نعاني في البداية للخروج لباص المدرسة، نمشي قليلا في الرمال لنصل الطريق من ناحية باب مكان العمل، بعدها أصبح الأمر أيسر.

وحين حاول أبي تعليمنا قيادة السيارة للمرة الأولى، لا أذكر تماما في أي سنة لكن على الأغلب كنت في المرحلة الإعدادية، كنا عائدين للمنزل ليلا والطريق كان كما نسميه (مدق) أي معبدة للسيارات لكنه ليس مرصوفا. قدت السيارة وفجأة ارتطم بها شيء ما، مع صوت مرتفع رافقنا حتى المنزل، ظهر في النهاية أنها مجرد أعشاب صحراوية حُشِرت بداخل (شكمان) السيارة، ونجوت من فعلتي.

في حضن هذه الجبال كانت لنا أياما سعيدة وغنية، كان لنا جيران باكستان، وهنود مسلمين، صوماليين، وسودانيين، وعمانيين ومصريين، أما فصلي الدراسي كان كله إماراتيات ويمنيات وطالبة سعودية مازلت أذكر اسمها (نوف).. كانت بيئة اجتماعية غاية في الثراء.
وقت المطر على ندرته كان وقت التزحلق على الرمال، كيس من البلاستيك تملؤه بالرمال وتبدء المتعة، وذاك الجمل الشرير كما سماه أخي عمر بعد أن كاد يدهسه ونجاه الله ولم يتسبب له إلا بكدمة صغيرة، كان الشاب الوسيم الطويل حينها طفلا صغيرا أغضب أصحابه الجمل فلم يقدر إلا عليه..
كانت أختي الكبرى أكبر أبناء الجيران، ومن حسن حظنا كان كل الأولاد أصغر من البنات، فكنت ألعب معهم الكرة حتى دخلت المدرسة الثانوية وقررت أن أتوقف حينها، مازلت أذكر جلسة الفتيات حول أحد أعمدة النور الطويلة، وحكايا المراهقات بأساطيرها العجيبة.. وجارنا الصومالي الذي كان يسكن وحيدا، وكان أهله يزورونه أحيانا في وقت الإجازة أو يذهب لهم هو، كان الرجل المسكين في بيته ونحن ندور وندور ننسج حوله الحكايا المرعبة..
بنت جيراننا الهنود التي ولدت وقت تواجدنا هناك فأسماها أبوها جويرية، وأكلهم الحار جدا جدا جدا جدا، الذي ما كان يدخل بيتنا إلا ونسف في حينها، والحلوى العمانية والهريس وغيرها الكثير من الأكلات..
وهزاع واحد من أطفال جيراننا العمانيين، لم يكن يعيش معهم ولم نره إلا في نهاية عهدنا بالمكان، كان يركب الجمال في سباقاتها، وهؤلاء يعيشون في أماكن التدريب، وحين بدء يكبر توقف عن التسابق وبدء يظهر في محيطنا، أذكر عيناه العسليتين ورموشه الطويلة التي تشبه عيون الإبل التي كان يركبها، طفل برّي لطيف.. مازلت أحب بسببه اسم هزاع.

لا أدري إن كانت تلك الذكريات سبب حبي الصحراء أم لا، غير أني أشعر براحة عند مشاهدة صور كثبانها الصفراء.

مصدر الصورة: unsplash

أبي مصابٌ بالرشح

هذا ليس عنوان قصة بل أبي مصاب فعلا بالرشح، وما الذي يستدعي في هذا الكتابة عنه؟!؛ أنه وفي نفس التوقيت تماما من رمضان العام الماضي أصيب أبي بكورونا، وإصابته الجديدة هذه تجلب معها تفاصيل نتمنى نسيانها. كانت إصابة أبي شديدة جدا حينها، بدأت خفيفة وتطورت مع الوقت للأسوء حتى جاء العيد فانهارات دفاعات جسده تماما، وساءت حالة رئتيه، ولولا لطف الله لكنا الآن بلا أم ولا أب كما حصل مع كثير من الأشخاص الذين فقدوا آبائهم وأمهاتهم دفعة واحدة بسبب هذا الوباء اللعين.

محظوظون هم من خرجوا من الفترة الماضية بلا فقد، ليس في مصر وحدها بل في العالم كله فهذه تجربة قاسية على البشرية جمعاء، ولا أستطيع تجاوز كونها رسالة إلهية مهما بدى هذا الرأي نوع دروشة، لكن عظم المصاب لا ينبئ إلا بعظم الحكمة منه. تشبه التجربة وخصوصا حين كان الوباء حديثا -ولم تكن آليات التعامل معه قد اتضحت بعد- تشبه أن يأخذك أحدهم من على سريرك وأنت تقاوم للاستيقاظ لتفهم ما يحدث ثم يرميك في البحر في حين أنك لا تجيد السباحة.

لطف الله بنا كان أنني أجيد مباديء السباحة أو أعرف مباديء الدواء والمداواة لأنني صيدلانية، وأن رزقنا أحباء كثر أعانونا بالسؤال والمتابعة والاقتراحات بلا كلل، ووهبنا أهل لم يتوانوا عن العون بلا خوف من عدوى ولا موت، ولولاهم لم يكن أبي لينجو. ورغم كل هذا اللطف من الله الكريم تحولت الذكرى لنوبات هلع تتناوب علي وعلى أختي حين تمر الذكرى بمرض قريب أو حبيب، حتى الصغيرة -ابنة أختي- التي لم تكن أتمت العامين حينها لم تخرج سالمة وأصيبت بوسواس نتف الشعر القهري، والذي مازالت تعاني آثاره حتى الآن.

قد يستشعر القاريء من كلامي المبالغة، لكن رؤية أنفاس أبي المضطربة، ووقوفي أمامه أتابع حركة صدره العجيبة التي تنبئ بمصيبة قادمة، والرعب من أن ينفد الأوكسجين من إسطواناته التي ملئت بيتنا حينها، والأيام الطويلة بلا نوم عميق ولو لوقت قليل، والإدراك أن النجاة تحتاج معجزة، وتجربة كل ما يمكن أن يوصل لتحسن حالته، مع عجز كامل إلا من أمل دافع للدعاء ويقين في رحمة الله، كل هذه الأشياء كانت قادرة على إيصالنا للانهيار، لكن فضل الله كان أوسع.

حينما أتذكر تلك الأيام، أقول لأختي كيف نجونا من الانهيار، كيف لم ننفض أيدينا ونستسلم، تجيبني بأنها لا تعرف. وهذه هي الإجابة الوحيدة الصادقة، فنحن لا نعرف الحكمة فيما حدث ويحدث، لا نعرف كيف سيواصل من فقدوا أحبابهم جماعات خلال هذه الكارثة، ولا نعرف متى سينتهي الكابوس، ولا نعرف هل سنتجاوز الخوف من كل رشح وكل صداع وكل ألم بسيط في الجسم، أم أنها لعنة لا نهاية لها؟!

أكتب الآن وكلي أمل أن يمر رشح أبي بردا وسلاما، وأن يأتي العام القادم وتصبح كلماتي ومخاوفي هذه خيالا بعيدا يمر بلا هلع.

ثلاثة أيام

اليوم الأول..

فتح عينيه على ابتسامة من شفتيه، يبدو أنه رأى حلما جميلا، فتح درج الخزانة المجاورة لسريره مد يده وأخذ بعض الأوراق الممتلئة عن آخرها بحبر قلمه الأزرق، ويبدو أنه ليس حلما واحدا، بل أحلام!

قام متحمسا ومسرعا كأنه على موعد مع شخص مهم، أو حدث خارج عن للمألوف، ارتدى كنزته المخططة بقدر الدروب التي ظن أنه سيقطعها، ربط شعره الطويل بطول أمله في القادم. وعند الباب قابلته أمه، تسأله مستنكرة سؤالها المعتاد –هذه الكنزة مرة أخرى، أليس لديك غيرها يا ولدي؟!-.

قد يشعر القاريء أن المجازات واضحة حد الفجاجة، أمل وأحلام ودروب وسذاجة الإصرار على التمسك، لكنها فعلا السذاجة هي الوصف الدقيق لحالته حينها، سذاجة إقبال الطفل على نزول درجات السلم لأول مرة، وهو لا يعرف أنه سيقع بكل تأكيد.

خرج وتناول من على باب بيته محراثه –نعم، مجاز آخر-، حمله على كتفه إلى أرضه التى قضى يومه في استصلاحها. وكان منتبها لكل حركة حوله، آملا أن تمر فيراها، يسلم فترد، يمزح فتنساب ضحكتها الرقيقة الهادئة. أنهى يومه الطويل، على أمل في الغد الجديد.

اليوم الثاني..

فتح عينيه بصعوبة بالغة، أحتاج لفتحهما مقاومة لا تتوفر له بسهولة في أيامه الصعبة، هذه المرة دون ابتسامات، شعر ببلل في أماكن متفرقة من جسده، أزاح شعره عن عينيه ومد يده لظهره مستطلعا البلل، فإذا به بعض الدم، جروحه المتفرقة في أنحاء جسده تنزف.

فتح درج خزانته، ومن جوار أوراقه الحالمة أخذ الضمادات لإسكات جروحه، ولأنه تأخر في الخروج اليوم قلقت أمه ودخلت عليه لتجده مستلقيا على حاله، هل أنت مريض؟ سألته فرد بالنفي، هل أعد لك الفطور، هز رأسه هذه المرة بلا أيضا. حرارة الجو أشعرته بالضيق فقام إلى النافذة فضايقت الشمس عينيه التي لا تحتمل النور حين يظلم قلبه، فأغلق ستائره وجلس بجوار درج أحلامه.

للمرة الثانية أو الثالثة دخلت أمه قلقة  ومستطلعة، حاولت أن تحثه على الحركة والخروج من غرفته المظلمة فسألته مستنكرة؛ ألا ترى الشمس ستموت زرعاتك إن لم تروى؟!، لم يجد في نفسه رغبة ولا قوة للرد حتى لا ليحرك جسده، فحرك عضلات وجهه ليعلمها بلامبالاة قلبه، وانتهى يومه بلا بصيص نور في غرفته المظلمة.

اليوم الثالث..

يوم اعتيادي واستيقاظ عادي، بلا ابتسامات ولا دماء. قام من على سريره بسرعة عادية بلا حماس ولا مقاومة، التقط أول كنزة وصلت لها يده، ولا لم تكن تلك المليئة بالدروب، ربط شعره حتى لا يضايقه ولا يضايقه أحد بتعليق عليه، وخرج.

لا، لم تكن أمه في استقباله، ولأنه لم يكن في عجلة الحماسة تلك أعد فطوره وشرب قهوته، وجلس يتذكر ما يود فعله، ثم انطلق خارجا إلى عمله. وعمله هو أرضه لم يغيره، لكنه حمل مع محراثه بعض الدفاتر والأقلام، يكتب فيها ويعلم أبناء الجيران بعضا مما يعرف. وقد وجد في التعليم سلوان، كأنه حين يعلم أحدهم يصوغ خيباته في صورة كلمة أو قصة، فتصبح جروحه أقل إيلاما حين تكتسب معنى. لم تعد صاحبة الضحكة الرقيقة الهادئة تمر، أو أنه لم يعد ينتبه لمرورها، صار قلبه يبتهج أكثر بضحكات جلسات جيرانه واصحابه. عاد إلى بيته، وانتهى يومه بهدوء، يتمنى لو زادت عليه بعض السكينة حتى لا يضطر أن يربت على قلبه كل ليلة ليسكن.

أكلت العشاء نفسه لعشرة أعوام*

“تناولت يوميا قطعتين من السمك، والبصل، وبيضة، والفاصولياء المطبوخة، والبسكويت، فالأيام في حياة المزارع كلها متشابهة.”

صورة المزارع ويلف ديفيز مرفقة مع المقال في الجارديان

عشت في وادي تيفي Teifi Valley بجنوب ويلز حياتي كلها؛ اثنان وسبعين عاما، فأنا مزارع وأربي واحدا وسبعين خروفا. قضيت صباي في مساعدة أسرتي في المزرعة، ولم أشعر أبدا بالرغبة في الرحيل بعيدا عن هنا حتى حين كنت مراهقا، فهذا الوادي ليس إلا قلبي، ولمرة منذ ثلاثين عاما غادرت ويلز لزيارة مزرعة في لندن، وكانت تلك المرة الوحيدة. غادر العديد من أصدقائي الذين نشأت معهم للحصول على عمل في المدن الكبرى، وحين كنت شابا يافعا تلقيت أنا أيضا عرضا للعمل في حقول النفط في اسكتلندا، لكن لم أستطع المغادرة؛ فقلبي ينتمي إلى هذا المكان رفقة الطيور والأشجار، عرفت أنني إن غادرت سأبقى دائما أفكر في هذا الوادي، فلما الرحيل؟ كل ما أريده هنا!

وكما أن للطبيعة نسق مستقر فأنا لدي روتيني أيضا والذي يمتد لما آكله؛ فلعشر سنوات كاملة لم آكل على العشاء إلا قطعتين من السمك، وبصلة كبيرة، وبيضة، وفاصولياء مطبوخة، وأخيرا بضع قطع من البسكويت. وعلى الغداء أتناول جعة وبرتقالة وأربع شطائر محشوة -حتى في يوم العيد-، وحين يكون الجو بارداً أضيف الحساء وأحظى ببعض التنويع.

الأطعمة المختلفة عما أتناوله عادة لا تثير اهتمامي لذا فأنا أعلم جيدا ما أريده حين أذهب للسوبرماركت، ولم أجرب أبدا الأكل الصيني أو الهندي أو الفرنسي، فلما التغيير حينما أعرف جيدا الطعام الذي أحبه؟. ويشبهني في ذلك عمي، فهو مزارع أعزب ويتناول نفس الطعام في كل وجباته كذلك؛ فإفطاره وغداؤه وعشاؤه دائما عبارة عن خبز وزبدة وجبنة وشاي -وقد يزيد المربى حين يأتيه الزوار-. فحتى إن كان اليوم هو عيد الفصح أو عيد الميلاد فأيام المزارع كلها متشابهة؛ فحيواناته تحتاجه لإطعامها، وإطعام خرافي ورؤيتها سعيدة يجعلني أنا أيضا سعيدا، فهي لا تطلب أبدا طعاما مختلفا للعشاء.

حياتي قد تبدو للناس خالية من أي تجارب جديدة، لكنني أعتقد أن سر الحياة السعيدة هو أن تستمتع بما تفعل، فالمشي حول المزرعة يملؤني بالدهشة هناك في الخارج حيث أقضي معظم وقتي، فأنا لا ألتجيء للبيت إلا إن كان الجو سيئا جدا. أما العيش في المدينة -حيث يسكن الناس فوق بعضهم البعض في كتل من الأبراج الضخمة، ويقضون أوقاتهم في الأماكن المغلقة يشاهدون التلفاز- فيبدو لي مخيفا، ولا أستطيعه أبدا، لذا فإن لندن كما سمعت مكان يجب تجنبه.

وقتي المفضل في العام هو الخريف ويزيده جمالا ألوان أوراق الشجر المتنوعة، فهو وقت جميل فعلا. وفي شهر إبريل من كل عام يزورونا طائر الوقواق، وأنا أنتظر قدومه سنويا لسماع صوت غناءه، ومثلي يأتي الكثير من الناس -من السكان المحليين ومراقبي الطيور- آملين في سماع الوقواق، لكنهم لا ينتظرون بما يكفي لسماعه؛ فحتى سياراتهم لا يغادرونها أحيانا. ويؤلمني حرمان الآخرون أنفسهم من هكذا متعة، ألمٌ يثير حزني حد البكاء، لذا فأنا أحث الزوارعلى الخروج من سياراتهم والمشي في الطرقات لسماع أنغام الطيور.

أصبت سابقا بعدة سكتات دماغية، وفي إحداها عجزت عن الحركة لمدة أسبوعين فبقيت في المشفى، لكن خرافي ساعدتني حينها؛ فمعرفتي أنها تحتاجني ووجودها يعتمد عليّ دفعني للتحسن، فأنا أحتاجها بقدر ما تحتاجني، وها أنا قد تعافيت الآن وأستطيع القيام بكل مهامي المعتادة. بلا أسباب محددة لم أتزوج مسبقاً ولم أندم على ذلك، بل يمكنني القول بكل ثقة أنني سعيد بما أنا عليه، فأنا متزوج من حياتي كمزارع. وحالياً أعيش مع أختي والتي أصيبت مثلي بسكتة دماغية، لكنها على عكسي لم تعد تستطيع الحركة مطلقا، وقد حاولت كثيرا الاعتناء بها، لكنها تحتاج لنوع عناية لا أستطيع تقديمه لها، يوفره شخصان مدهشان يأتيان لمنزلنا أربع مرات يوميا للاعتناء بها.

ولا يتعارض لزومي لهذا الوادي وتناولي الطعام نفسه يوميا مع رغبتي في معرفة ما يحدث حولي في العالم، فكل ليلة أستمع لمحطة الإذاعة الويلزية لأعرف ما الذي يجري، وأكثر ما يحوز انتباهي هو أخبار الزراعة المحلية والتطورات الجديدة التي تطال المنطقة.

إن أردت زيارة مكان جديد فسأختار سور الصين العظيم، فالمجهود الذي بذل في بناءه لا يصدق، ولأني كنت حجّارا في السابق فأنا أعلم جيدا ما يحتاجه إنشاء هذا البناء من براعة. ولن يخرجني من هذا الوادي أي شيء، حتى لو عرض علي شخص مليون يورو؛ ففي كل ليلة حين أصعد لأعلى الوادي وأنظر لأسفله حيث يبدو كل شيء صغيرا وبعيدا، حينها أشعر أنني على قمة العالم.

*ترجمت المقال عن الإنجليزية، تجدونه هنا على موقع جريدة الجارديان، وقد عرفته من خلال مدونة صفحات صغيرة

نصوص شقية*

(1)
يربكني..
مرور اسمه
وملاحظة رسمه
وسماع صوته
وضحكات قلبه
وخواطر عقله
وسير قدمه
وأمل غده
وارتباك نفسه
وقسوة حرفه
ورقة حرفه..
وجزالة معناه
وقوة مبناه
ومناي أن أحيا تحت جناحاه..
يربكني.. وأنا اكره الارتباك

(2)
متماسكة يغويها السقوط فيك..
ثابتة يهزها الميل لك..
صابرة نفد صبرها عند التفاتك..

(3)
خمس وخمس..
خمس من الفرح، وبعدها خمس من الحزن، وبينها خمس من القلق، ومعها خمس من الأمل، وحولها خمس من الخوف..
خمس من الحب، وبعدها خمس من الشوق، وبينها خمس من التوق، ومعها خمس من الرغبة، وحولها خمس من رائحة الفراق..

*الشقاء ليس من التعب، بل من المشاغبة فهي نصوص (شئية كما نقول نحن المصريين)

أبلة صبحا

في الصف الثالث الإعدادي وبعد بداية العام الدراسي وتوزيع الطالبات على الفصول، جاءت أبلة فاطمة العامري -مدرسة الرياضيات الرقيقة- إلى فصلي وقالت تعال نقلتي لفصل آخر، تعجبت حينها من الموقف حتى علمت بعدها من صديقتي أن كلا من أبلة صبحا وأبلة فاطمة أحبا أن أكون في فصلهما وطلبا من المديرة نقلي إليه. وهذا غيض من فيض حبهما وأمومتهما لي خلال المدرسة الإعدادية، خصوصا أبلة صبحا، تلك التي أحبتني واهتمت بي دون أن يطلب أحد منها ذلك.

أبلة صبحا مدرسة التربية الدينية، يمنية الجنسية بشرتها بلون الشوكولاتة بالحليب، شعرها دائما قصير، وهي دائما مبدعة ونشيطة. عندما التحقت بالمدرسة كانت مربية صفي -أي المعلمة المسئولة عنه- وكنت بدأت الدراسة بعد حوالي الشهرمن بداية العام الدراسي، وكان قد حان موعد أول امتحان تقويم، لم أكن أعرف شيئا مما درسوه، لكنهم طلبوا مني دخول الامتحان على أي حال!. وحين ظهرت النتيجة كان ترتيبي التاسعة، حينها احتفت بي أبلة صبحا كثيرا، وحين قفز ترتيبي للرابعة مع امتحان الفصل الدراسي الأول كسرت عادتها بشراء الهدايا للأولات الثلاث واشترت لي هدية، نظير اجتهادي كما قالت.

مواقف كثيرة غاية في الدفء أذكرها لأبلة صبحا، منها اتصالها بي في البيت -ولازلت لا أعلم كيف حصلت على رقم بيتنا- فقط لتطيب خاطري من كلام أحد الصديقات الأردنيات في الصف، ومنها تزيينها الجميل للصف حين كانت هناك مسابقة لأجمل صف في المدرسة، اختارت موضوع للزينة وأعادت دهان غرفة الصف وغيرت الستائر وزينت الجدران ليفوز صفنا بجائزة الأجمل وتصحبنا حينها في الرحلة الجائزة، والتي كانت نتاج جهدها هي. وأذكر أيضا إقناعها لأبلة شمس -مدرسة اللغة الإنجليزية- أن تقص لنا شعورنا كما تحب كل واحدة منا بعد استئذان أمهاتنا، وكانت أول مرة أقص فيها شعري بشكل أحبه وأختاره.

وأبلة صبحا أول من علمتني تجويد القرآن، أول من سمعت منها عن الإظهار والإدغام وغيرهما، علماً لم أنسه من وقتها وهو في ميزانها بكرم الله، هو وغيره من الدين الذي علمتنيه وحملته في قلبي حينها. أبلة صبحا كانت تزين شهاداتي في المرحلة الإعدادية بخطها الجميل المرتب، كما زينت قلب فتاة تشعر بالغربة حينها بدفء حنانها وثقتها وتقديرها. أبلة صبحا ليست معلمتي المفضلة، أبلة صبحا أمي الثانية التي تركت في قلبي أثرا لا يمحى.

أسئلة وكتب وإجابات

أحب الكتب إلى قلبي تلك التي تجيب عن أسئلة ملحة، والأجمل فيها هي التي نجدها بمحض الصدفة، وفي فترة معرض كتاب القاهرة 2020 قرأت في ترشيحات أ. إسلام مصطفى أسماء لبعض كتب الدكتور الناجي لمين، وقد أسعفني الوقت والحظ حينها لتحصيل بعض العناوين التي ذكرها، وكان من ضمنها كتاب صغير الحجم كبير النفع بعنوان: إسهام علم أصول الفقه في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال لدى الشباب المسلم.

غلاف الكتاب

وما يميز هذا الكتاب هو أنه يقدم إجابة عملية عن سؤال كيف يفكر المسلم، أو كيف يستخدم المسلم أصوله العقلية المستمدة من دينه في الحكم على الأشياء وبناء موقف منها، وهذا برأيي هو السؤال الأهم حاليا، فرغم أهمية تنزيل الأحكام على الواقع وخصوصا في زمان كثرت فيه المتغيرات كزمننا، إلا أن المشكلة الأساسية هي فقدان البوصلة. فعند كل نازلة تصيب مجتمعاتنا الآن، وعند كل مجاهرة برأي شاذ، وعند كل اقتطاع وتصدير لبعض الأحكام خارج سياقاتها، يتخبط الناس بلا مانع لهم من الزيغ ولا التشدد، إما إفراطا أو تفريطا كما يقول الدكتور في كتابه، ولهذا فإن تأصيل الأصول العقلية وتوفير أدوات للنظر يوفران للإنسان مستراح من التخبط مع موج الأحداث الهائج.

وبعيدا عن الأصول المختارة التي بنى عليها الدكتور الناجي وصفته العلاجية، والتي قد يختلف أو يتفق معها أي صاحب علم، لكننا بحاجة للكثير من الكتب التي تطرح الإشكالات وتجيب عنها، وتغطي المساحات التي لا يتكلم فيها شخص إلا قاصدا نصر رأي أو تغليب ظن، بلا رجوع لأصول المشكلات وعلاجها. ومن الكتب التي أفادتني شخصيا في هذه المساحة كتاب التوحيد والوساطة في التربية الدعوية للدكتور فريد الأنصاري، وكتاب فصول في التفكير الموضوعي للدكتور عبد الكريم بكار، وكتاب العالم من منظور غربي للدكتور عبد الوهاب المسيري. هذه الكتب الثلاث تغطي أسئلة مختلفة لكنها تدور جميعا في نفس المساحة؛ كيف أتعامل مع الآخر وأتعلم منه دون الذوبان فيه ولا نصب العداء غير المبرر له، ولا حاجة هنا للقول بأن هذا من أكثر ما نحتاجه حاليا.

عشر وعشر…

في اليوم العاشر، هذه عشر خواطر قصيرة قديمة أحبها..
1. على حبل مشدود فوق الحياة نختار السير بحذر، هربا من أن يغوينا الأمل أو يتخطفنا اليأس.. نشعر بهدوء حماية لقلوبنا من تيه آخر، ونفكر بتوءدة طلبا لحكمة نرجو أن تزيد فتملىء نفوسنا، ونتفاعل بقلة مناورة للخوف والتردد اللذان راكمتهما الخيبات..
ولكن هل يطلب الأمن إلا من اليقين؟ أم أن الحذر يحمي اليقين، ويطمئن القلب؟

2. بعض المعاني تستهلك من الإنسان عمرا، ويحتاج تثبيتها وتمثلها مجهودا نفسيا كبيرا، ويسعد جدا حينما يطفو المعنى على تصرفه في موقف معين يمر به، أو وقت اختيار اضطر له. هذه المعاني تختلط بتعريفه لنفسه مع الوقت، ويصبح تفاعل الناس معها وتقديرهم لها انعكاس لتقديرهم له هو..
فاحترام الشخص يأتي من احترام اختياراته في الحياة -حتى لو لم تعجبنا- طالما أنها ليست خاطئة في ذاتها..

3. طالما بقي الإنسان محدودا بوقائع أيامه وخبرات حياته فقط، ستظل كل فكرة تطرأ على عقله أو كل رأي يخلص له في قضية من قضايا الحياة فكرة مبتكرة، ورأي لم يصل له أحد قبله. حتى إذا ما بحث تفاجىء أن القضية التي يتكلم فيها، تكلم فيها الناس منذ مئات السنين، والرأي الذي يقوله قد قيل وعليه من الردود أكثر مما يستطيع إحصاءه. لكنه ضيق الأفق والإعجاب بالعقل يعمينا عن حجمنا في الحياة، ويمنعنا ألا ننطلق من صفر جهلنا، ومن الاستفادة من رؤى وعقول من الممكن أن تضاف لعقولنا فتكون انطلاقتنا أمتن وأبعد.

4. ضحكت كثيرا حين استلمت عباءتي السوداء الجديدة وقد غلفت بطريقة فخمة جدا، حتى يظن الشخص أنها فستان مناسبات أو ملابس رسمية؛ وما أضحكني هو تذكري للعباءات السوداء أيام المدرسة في الإمارات. كان تنظيف العباءات والحفاظ على نصاعة أسودها هاجسا بالنسبة للفتيات، ولم تكن وقتها مساحيق التنظيف المخصصة للعباءات منتشرة ومتوفرة بكثرة، فكانت الفتيات يبتكرن طرقا للتنظيف تخرج بها العباءات في أجمل صورة، تارة باستخدام سائل تنظيف الصحون وتارة بغيره، فكرت لحظتها أن للرأسمالية وتغولها ميزات لا تحصى :D.

5. يأمن الرجال عادة للاعتياد، لذلك فإن الرجل وإن كان من أهل العلم أو الثقافة والفكر، لا يتأثر غالبا إن كانت زوجته وشريكة حياته امرأة عادية -أو لنقل ليس لها اهتمامات كبيرة-، وقد يعجب بنماذج لأخريات ممن يشاركنه مساحات اهتمامه، لكن كلفة التغيير، والانتماء لما اعتاده يكونان غالبا أقوى من فتنة الجديد.
في حين أن المرأة من ذوات الاهتمامات والانشغال بالعلم، غالبا لا يناسبها إلا رجلا يشاركها بعض اهتماماتها ويعلوها فيها، والأمر هنا ليس مرتبطا بتفضيل المرأة فقط، ولكنه مرتبط أيضا بنفس الرجل، وإلا فإن لم يكن للرجل اهتمامات مشابهة فيجب أن يكون رجلا راجح العقل حكيم الرأي واسع النفس، ليستوعب اهتماماتها وانشغالاتها العقلية والنفسية، ويلاقي كل ذلك بحب واحترام وتفهم، وهذا نادر في الرجال..

6. نشتاق..
مرة لأشخاص عبروا، أو لأحباب غيبهم فراق أبدي، أو لأصحاب طال انقطاع مؤقت عنهم..
ومرة أخرى لمشاعر غمرت قلوبنا وعبرت، تركت ما تركت وأخذت معها ما أخذت.. لألفة خالصة في صحبة لا نخاف انقطاعها، ولبهجة غمرت قلوبنا في موقف آسر، ولضحكة من أعماق قلوبنا أنستنا كل حزن ساكن..
وأحيانا لمعانٍ تأسرنا حين نراها ماثلة في موقف أو رأي من عقل واسع..
نشتاق، ونسعد حين يلبى شوقنا وإن من موقف أو من شخص عابر.

7. بالبحث في تداعيات أزمة كورونا، يقابلك اتجاه متصاعد لأهمية العلاجات الوقائية وممارسات الصحة العامة.. يرى العالم الآن أن العلاج الدوائي والتدخل الجراحي والتقدم فيهما غير كافي لتحقيق السلامة العامة، بل الأولوية للفهم والتوازن والوقاية.. يذكرنا هذا بالبدهية الدينية القائلة أن الإنسان ليس مسموحا له بأن يفعل كل ما يهوى، والحقيقة الفلسفية التي ترى أن الفعل غير مجرد عن القيمة.. وأن الاستكبار فيما لا نملك أول سبل الفساد ومنتهاه الهلاك..
“فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ”

8. حينما يهتز اليقين في الأشياء التي كنا نعتقد أنها لن تتغير أبدا، ويعلو صوت الخوف، وتتردد الفِكَر؛ يكون الناس على حالين فمسلم للخوف رافعا رايته من بداية المواجهة، وهذا يصل للبطالة و تبهت روحه في خطوة واحدة..
ومتحفزا للخوف يطلب المثالية خوفا من خسارة معركته معه، يدقق في كل فكرة وكل نية وكل شعور عابر، وهذا يصل أيضا إلى البطالة ولكن معها ترتج ثقته، ويتقلب على جمر القلق، يقدم ويعرض مذعنا لصوت التردد الذي يعلو على نبض قلبه وخفقات روحه، يبهت مع الوقت حتى يُرى شفافا بلا طعم ولا لون، هو هو غير أن حساباته أذهلته عن نفسه بلا عودة.. إلا في ركب التسليم.

9. بعيدا عن صراعات الذكور والإناث القديمة الجديدة التي لم ولن تنتهي، فإن من أعلى صفات النساء على الإطلاق الذكاء والفطنة. تعرف حال الرجل بمجرد النظر إليه، وتسأل ما يجب أن يسأل لا فضول أسئلة تمله وتضجره، وتجيب برجاحة عقلها عما يستحي الإفصاح عنه من ضعف نفسه وحيرة قلبه، وتجاريه فيما يشغله وإن كان خارج ما تهتم هي به، وتراوح بين خفض الجناح وإثبات رأيها على حسب الحاجة. وكما قال نيتشه: فإن أنجع دواء لهذا الداء الذكوري الذي هو “احتقار الذات”، هو أن يكون المرء محبوباً من طرف امرأة ذكية، صحيح أن ذكاء المرأة سلاح ذو حدين، لكنه إن اجتمع مع سواء النفس، وحسن الخلق.. يصبح نعمة وأي نعمة!

10. صينية البطاطس وأثر الحياة..

عندما عدت من الإمارات في الصف الثاني الثانوي ولظروف خارجة عن إرادتنا، بقيت أمي وإخوتي في بلد وسافر أبي إلى بلد ثاني وبقيت أنا في مصر في بيت جدتي. كان بيتا كبيرا يعيش فيه جدي وجدتي لأبي واثنين من أعمامي وأسرتيهما، وكان هذا العام تجربة صعبة بالنسلة لي..
المهم ولأسباب كثيرة كانت زوجة عمي تطبخ صينية البطاطس بمعدل غير معقول ولا مفهوم، حتى عافت نفسي البطاطس، ومن يومها صرت آكلها على مضض إن كانت هي الخيار الوحيد، ولم أعد أذكر موقفي من صينية البطاطس قبل تلك الفترة..

ومَثل صينية البطاطس كمثل الكثير من الأشياء في الحياة، التي يتغير رأينا فيها وموقفنا تجاهها لأسباب عابرة، غير أن آثارها تبقى طويلا إن لم يكن للأبد.. فهل علينا أن نراجع موقفنا من الأشياء باستمرار، فنرى أسباب مواقفنا منها ومشاعرنا ناحيتها، أم أن الحياة أقصر من ذلك؟!