أبي مصابٌ بالرشح

هذا ليس عنوان قصة بل أبي مصاب فعلا بالرشح، وما الذي يستدعي في هذا الكتابة عنه؟!؛ أنه وفي نفس التوقيت تماما من رمضان العام الماضي أصيب أبي بكورونا، وإصابته الجديدة هذه تجلب معها تفاصيل نتمنى نسيانها. كانت إصابة أبي شديدة جدا حينها، بدأت خفيفة وتطورت مع الوقت للأسوء حتى جاء العيد فانهارات دفاعات جسده تماما، وساءت حالة رئتيه، ولولا لطف الله لكنا الآن بلا أم ولا أب كما حصل مع كثير من الأشخاص الذين فقدوا آبائهم وأمهاتهم دفعة واحدة بسبب هذا الوباء اللعين.

محظوظون هم من خرجوا من الفترة الماضية بلا فقد، ليس في مصر وحدها بل في العالم كله فهذه تجربة قاسية على البشرية جمعاء، ولا أستطيع تجاوز كونها رسالة إلهية مهما بدى هذا الرأي نوع دروشة، لكن عظم المصاب لا ينبئ إلا بعظم الحكمة منه. تشبه التجربة وخصوصا حين كان الوباء حديثا -ولم تكن آليات التعامل معه قد اتضحت بعد- تشبه أن يأخذك أحدهم من على سريرك وأنت تقاوم للاستيقاظ لتفهم ما يحدث ثم يرميك في البحر في حين أنك لا تجيد السباحة.

لطف الله بنا كان أنني أجيد مباديء السباحة أو أعرف مباديء الدواء والمداواة لأنني صيدلانية، وأن رزقنا أحباء كثر أعانونا بالسؤال والمتابعة والاقتراحات بلا كلل، ووهبنا أهل لم يتوانوا عن العون بلا خوف من عدوى ولا موت، ولولاهم لم يكن أبي لينجو. ورغم كل هذا اللطف من الله الكريم تحولت الذكرى لنوبات هلع تتناوب علي وعلى أختي حين تمر الذكرى بمرض قريب أو حبيب، حتى الصغيرة -ابنة أختي- التي لم تكن أتمت العامين حينها لم تخرج سالمة وأصيبت بوسواس نتف الشعر القهري، والذي مازالت تعاني آثاره حتى الآن.

قد يستشعر القاريء من كلامي المبالغة، لكن رؤية أنفاس أبي المضطربة، ووقوفي أمامه أتابع حركة صدره العجيبة التي تنبئ بمصيبة قادمة، والرعب من أن ينفد الأوكسجين من إسطواناته التي ملئت بيتنا حينها، والأيام الطويلة بلا نوم عميق ولو لوقت قليل، والإدراك أن النجاة تحتاج معجزة، وتجربة كل ما يمكن أن يوصل لتحسن حالته، مع عجز كامل إلا من أمل دافع للدعاء ويقين في رحمة الله، كل هذه الأشياء كانت قادرة على إيصالنا للانهيار، لكن فضل الله كان أوسع.

حينما أتذكر تلك الأيام، أقول لأختي كيف نجونا من الانهيار، كيف لم ننفض أيدينا ونستسلم، تجيبني بأنها لا تعرف. وهذه هي الإجابة الوحيدة الصادقة، فنحن لا نعرف الحكمة فيما حدث ويحدث، لا نعرف كيف سيواصل من فقدوا أحبابهم جماعات خلال هذه الكارثة، ولا نعرف متى سينتهي الكابوس، ولا نعرف هل سنتجاوز الخوف من كل رشح وكل صداع وكل ألم بسيط في الجسم، أم أنها لعنة لا نهاية لها؟!

أكتب الآن وكلي أمل أن يمر رشح أبي بردا وسلاما، وأن يأتي العام القادم وتصبح كلماتي ومخاوفي هذه خيالا بعيدا يمر بلا هلع.

نُشر بواسطة رنا صلاح سالم

إنسانة بسيطة.. تعرف من الحياة بقدر ما آمنت، وبقدر ما عاشت، وبقدر ما اطلعت..

رأيان على “أبي مصابٌ بالرشح

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: