أحب الصحراء

بيني وبين الصحراء علاقة لا أدري بالضبط سرها.. شعور السعة التي تقابلك به، مع القسوة لمن جهلها.. يقربها لنفسي.

حينما عشنا في الإمارات لعدة سنوات، قضينا بعضها في وسط مدينة العين مدينة جميلة خضراء مريحة، بعدها انتقلنا لضواحي المدينة، على أطرافها البعيدة حيث البيوت الملحقة بمكان عمل أبي في حضن الصحراء حرفيا.. خلفنا كانت كثبان الرمل الممتدة، كنا نعاني في البداية للخروج لباص المدرسة، نمشي قليلا في الرمال لنصل الطريق من ناحية باب مكان العمل، بعدها أصبح الأمر أيسر.

وحين حاول أبي تعليمنا قيادة السيارة للمرة الأولى، لا أذكر تماما في أي سنة لكن على الأغلب كنت في المرحلة الإعدادية، كنا عائدين للمنزل ليلا والطريق كان كما نسميه (مدق) أي معبدة للسيارات لكنه ليس مرصوفا. قدت السيارة وفجأة ارتطم بها شيء ما، مع صوت مرتفع رافقنا حتى المنزل، ظهر في النهاية أنها مجرد أعشاب صحراوية حُشِرت بداخل (شكمان) السيارة، ونجوت من فعلتي.

في حضن هذه الجبال كانت لنا أياما سعيدة وغنية، كان لنا جيران باكستان، وهنود مسلمين، صوماليين، وسودانيين، وعمانيين ومصريين، أما فصلي الدراسي كان كله إماراتيات ويمنيات وطالبة سعودية مازلت أذكر اسمها (نوف).. كانت بيئة اجتماعية غاية في الثراء.
وقت المطر على ندرته كان وقت التزحلق على الرمال، كيس من البلاستيك تملؤه بالرمال وتبدء المتعة، وذاك الجمل الشرير كما سماه أخي عمر بعد أن كاد يدهسه ونجاه الله ولم يتسبب له إلا بكدمة صغيرة، كان الشاب الوسيم الطويل حينها طفلا صغيرا أغضب أصحابه الجمل فلم يقدر إلا عليه..
كانت أختي الكبرى أكبر أبناء الجيران، ومن حسن حظنا كان كل الأولاد أصغر من البنات، فكنت ألعب معهم الكرة حتى دخلت المدرسة الثانوية وقررت أن أتوقف حينها، مازلت أذكر جلسة الفتيات حول أحد أعمدة النور الطويلة، وحكايا المراهقات بأساطيرها العجيبة.. وجارنا الصومالي الذي كان يسكن وحيدا، وكان أهله يزورونه أحيانا في وقت الإجازة أو يذهب لهم هو، كان الرجل المسكين في بيته ونحن ندور وندور ننسج حوله الحكايا المرعبة..
بنت جيراننا الهنود التي ولدت وقت تواجدنا هناك فأسماها أبوها جويرية، وأكلهم الحار جدا جدا جدا جدا، الذي ما كان يدخل بيتنا إلا ونسف في حينها، والحلوى العمانية والهريس وغيرها الكثير من الأكلات..
وهزاع واحد من أطفال جيراننا العمانيين، لم يكن يعيش معهم ولم نره إلا في نهاية عهدنا بالمكان، كان يركب الجمال في سباقاتها، وهؤلاء يعيشون في أماكن التدريب، وحين بدء يكبر توقف عن التسابق وبدء يظهر في محيطنا، أذكر عيناه العسليتين ورموشه الطويلة التي تشبه عيون الإبل التي كان يركبها، طفل برّي لطيف.. مازلت أحب بسببه اسم هزاع.

لا أدري إن كانت تلك الذكريات سبب حبي الصحراء أم لا، غير أني أشعر براحة عند مشاهدة صور كثبانها الصفراء.

مصدر الصورة: unsplash

نُشر بواسطة رنا صلاح سالم

إنسانة بسيطة.. تعرف من الحياة بقدر ما آمنت، وبقدر ما عاشت، وبقدر ما اطلعت..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: